السيد هادي الخسروشاهي
131
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
الحكّام النظاميين أن يتوحّد الناس في مملكته تحت قانون واحد ، يأخذ به قاصيّهم ودانيّهم ، ويعمل به في كلّ ناحية من نواحي هذه المملكة المترامية الأطراف . وهو من جهة أخرى لم يكن يحبّ هذا الضجيج الذي أثاره العلماء بجدالهم ونقاشهم ، وذهاب كلّ فريق منهم مذهباً يخالف صاحبه ، وتمسّكه بهذا المذهب حتّى يراه وحده هو الجدير بأن يتّبع ، ويرى غيره فاسداً أو باطلًا . وهو من جهة ثالثة ، يريد أن يرضي أهل الحجاز ويصطنعهم ، ويتقرّب إلى هذا الإمام العظيم إمام دار الهجرة ، وقد بهره ما في كتابه من العلم المستمدّ من الرواية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن ثقات أصحابه ، ليخالف بذلك عن سنّة الأمويين الذين كانوا لا ينظرون إلى أهل الحجاز نظرة المطمئنّ إلى ولائهم لسلطانهم ودولتهم . هذه فيما أرجّح وجهة المنصور فيما عرض على مالك ، ولعلّها تتّفق في بعض نواحيها مع وجهة القائلين بإدماج المذاهب الفقهية في مذهب واحد - وليست جماعة التقريب منهم - وإن فهم بعض الناس خطأً عكس ذلك . وإنّي أكرّر في هذا المقام ما قلته من قبل ، وما قاله غيري من أعضاء جماعة التقريب في مناسبات مختلفة من أنّه ليس من أهدافنا أن ندمج المذاهب الفقهية بعضها في بعض ، ومن أنّنا - على العكس من ذلك - نرى في هذه الفكرة خطأً يدعونا إلى رفضها وأبعادها ، بل نراها في حكم المستحيل ما دمنا نلتزم كتاب ربّنا ، وسنّة رسولنا ، وأصول شريعتنا . وهذا هو الإمام مالك ينهى المنصور عن تنفيذ فكرته ، فيعدل عنها عدول من تبيّن له وجه الخطأ فيها ، فقد جاء في بعض ما روي من هذا الشأن : أنّ المنصور حين سمع مقالة مالك أكبره وشكره ، ودعا له بالتوفيق . إنّ مالكاً لم تستهوه هذه الفكرة وإن كان فيها كلّ التأييد لمذهبه ، ولم ينتهز الفرصة لقبول هذا الاقتراح ممّن يملك تنفيذه وحمل الناس عليه بما له من قوة السلطان والحكم ، فلقد كان أجلّ من أن يخدعه هذا الإغراء عن الحقّ ، وأجلّ من